محمد أبو زهرة
2093
زهرة التفاسير
الواضح بإذن الله تعالى وبعلمه وتقديره ، فالإذن هنا معناه العلم والإرادة ، أي أن ذلك الإخراج من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى بعلمه تعالى وإرادته ، وإرادته لا تكون إلا على مقتضى حكمته في خلقه ، وهو العزيز الحكيم ، اللطيف الخبير ، السميع البصير ، تعالت أسماؤه الحسنى . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الضلال بالجمع والنور بالإفراد ؛ وذلك لأن طرق الشيطان مختلفة ، وكل طريق منها ظلمة في ذاته ، فالشرك ظلمة ، والبغضاء ظلمة ، والمعصية ظلمة ، وأكل مال الناس بالباطل ظلمة ، ووأد البنات ظلمة ، واسوداد الوجه بالكآبة عند ولادة المرأة ظلمة ، والظلم ظلمات قد تعددت فنونه ، وتباينت أقسامه والنور والقرآن والهدى المحمدي هو الذي يكشف هذه الظلمات ، وينير الطريق للخروج ، بإذن الله تعالى وعلمه وإرادته يخرجهم النور من هذه الظلمات المتكاثفة . وأما الثالث - فقد قال تعالى : وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والمعنى أن الله تعالى يهدى طالب إلى طريق مستقيم لا التواء فيه ، والهداية في الحقيقة من الله تعالى ، فهو الذي يهدى ويرشد ، والمهتدى هو من يطلب الحق إرضاء لله تعالى ، ونسبت الهداية إلى القرآن ؛ لأنه الذي اشتمل على ما فيه الهداية من أحكام ، وفضائل ، وبيان لمعنى الرسالة الإلهية ؛ ولأنه هو المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم ، والطريق المستقيم هو دين الله تعالى القيم ، دين التوحيد ، دين الإسلام والتسليم والتفويض لله تعالى بعد القيام بالعمل ، وهو دين الخير في الدنيا والآخرة ، فمن اتبعه فقد رشد ، ومن تركه فقد ضل ، وهو وإن تعددت أنواع العمل طريق واحد موصل للغاية من أقرب اتجاه ، وهو طريق الله تعالى ، وقد قال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) [ الأنعام ] « 1 » . . اللهم اهدنا صراطك المستقيم .
--> ( 1 ) عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : « هذا سبيل الله » ثم تلا هذه الآية : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . رواه ابن ماجة : المقدمة - اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 11 ) .